السيد عباس علي الموسوي

45

شرح نهج البلاغة

لحال الدنيا التافهة التي اغتر بها الإنسان وكيف كانت عند بعثة رسول اللّه فقد شبهها بشجرة اصفر ورقها وامتنعت من حمل الثمار حتى يئس الناس منها وجفّت مياه الحياة فيها حتى كادت أن تيبس فهي شجرة انقطع منها الأمل فلا منظر يبهج النظر ولا فائدة تنفع البشر ، فالدنيا كانت على العرب صعبة شديدة ليس لهم منها الضروريات فضلا عن الكماليات فلا استقرار ولا عدل فكيف يأتي غير ذلك من الرفاهية والرقي والتقدم . . . ( قد درست منار الهدى وظهرت أعلام الردى ) . وهذه بعض مآسي تلك الفترة التي سبقت بعثة رسول اللّه لقد فقدت الأنبياء والرسل والمبشرون الذين كانوا يحملون الشرائع ويكشفون عن عيون الناس الغشاوة وينبهونهم إلى ما فيه خيرهم ، وعلى العكس من ذلك فقد ارتفعت أصوات المبطلين والمضللين من عرافّين ومنجمين استولوا على عقول الناس وأفئدتهم وراحوا يوجهونهم بالظنون وبكل أمر باطل لا ينفع ولا يفيد . ( فهي متجهمة لأهلها عابسة في وجه طالبها ) . لا تصفو لطالبها ولا يأنس بها عاشقها من حيث أن صفوها مشوب بالكدر وحلاوتها ممزوجة بالمرارة فلا تريح أهلها ولا تأنسهم بل تزعجهم وتقلقهم . . . ( ثمرها الفتنة وطعامها الجيفة وشعارها الخوف ودثارها السيف ) . هكذا كانت الدنيا قبل بعثة رسول اللّه ، صورة مأساوية تشمئز منها النفس فلا تثمر إلا الضلال والانحراف عن خط الأنبياء ففي حين يدعو الرسل إلى الإيمان باللهّ وتوحيده وإقامة حكمه فإن الجاهلية تقضي على ذلك وتنحرف عنه بالكفر به أو الإشراك به أو التنكر لأحكامه وما يريده ويحبه . . . وأما طعام أبنائها فالخبائث مما كانت تجنيه سيوفهم من خلال الغزو والنهب والاعتداء على الآمنين . . . وأما شعارها الملتصق بها الذي تعيشه في كل لحظة من لحظات حياتها ولا يكاد يفارقها فهو الخوف إنه حليفها في حلها وترحالها في ليلها ونهارها لأن كل فرد مهدد في وجوده ممن حوله من الأعراب الأقوياء الذين يتسلطون على الضعفاء فينتزعون منهم كرامتهم ومتاعهم وما عندهم من مواشي وحيوانات . . . ودثارها السيف أي بعد الخوف الذي يعيش في قلوب الأعراب يأتي السيف من ورائها لتدفع عن أنفسها الغزو وتستعمل قوتها في وجه من يريد القضاء عليها ولذا قد تستمر الحروب وتدوم لفترة طويلة كما وقع بين بعض العرب مع بعضهم . . . ( فاعتبروا عباد اللّه ) . انظروا إلى هذه الحياة السابقة والفترة الماضية قبل بعثة